أبي طالب المكي
187
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
منه ، وأنفذ نظر ، أو أعرف بالصالحين وأهل الخير منه ، ممن يوثق بدينه وأمانته من علماء الآخرة ، لا من علماء الدنيا . وعلماء الآخرة هم الزاهدون في الدنيا ، الورعون عن التكاثر منها . فإن حبّ الدنيا غامض قد هلك فيه خلق كثير لم ينج منه إلا العلماء ، ولم يسلم من الدنيا إلَّا المتحققون بالعلم واليقين ، وهم المتقللون من الدنيا . وقد قال الله تعالى : * ( وتَثْبِيتاً من أَنْفُسِهِمْ ) * [ البقرة : 265 ] . أي يقينا ، يعني أنهم يتثبتون في صدقاتهم أن لا يضعوها إلَّا في يقين يستروح إليه القلب وتطمئن به النفس . وقد كان بعض العلماء يؤثر بالعطاء فقراء الصوفية دون غيرهم فقيل له : لو عممت بمعروفك جميع الفقراء ؟ فقال : لا أفعل بل أؤثر هؤلاء على غيرهم . قيل : ولم ؟ قال : لأن هؤلاء همهم الله سبحانه وتعالى . فإذا طرقتهم فاقة تشتت همّ أحدهم فلأن أردّ همة واحد إلى الله تعالى أحبّ إليّ من أن أعطي ألفا من غيرهم ممن همّه الدنيا . فذكر هذا الكلام لأبي القاسم الجنيد فاستحسنه . وقال : هذا كلام وليّ من أولياء الله تعالى . ثم قال : ما سمعت منذ زمان كلاما أحسن من هذا . وبلغني أنّ هذا الرجل اختل حاله في أمر الدنيا حتى همّ بترك الحانوت فوجه إليه الجنيد بمال كان صرف إليه فقال : اجعل هذا في بضاعتك ولا تترك الحانوت ، فإنّ التجارة لا تضرّ مثلك . ويقال : إنّ هذا الرجل كان بقّالا ولم يكن يأخذ من الفقراء ثمن ما يبتاعون منه . وأما ابن المبارك رحمه الله تعالى فإنه كان يجعل معروفه في أهل العلم خاصة ، فقيل له : لو عممت به غيرهم . فقال : إني لا أعرف بعد مقام النبوة أفضل من مقام العلماء . فإذا اشتغل قلب العالم بالحاجة أو العيلة لم يتفرغ للعلم ، ولا يقبل على تعليم الناس ، فرأيت أن أعينهم وأكفيهم حاجاتهم لتفرغ قلوبهم للعلم ، وينشطوا لتعليم الناس ، هذا طريق السلف الصالح . والتوفيق من الله تعالى للعبد في وضع صدقته في الأفضل كالتوفيق منه إطعام الحلال الذي في غيبه يوفقه لأوليائه ويستخرجه لهم من علمه كيف شاء بقدرته . شرح رابع ما بني الإسلام عليه : وهو الصيام ذكر فرائض الصيام اعتقاد الصوم إيجابا لله تعالى عليه وقربة منه إليه ، وإخلاصا به له ، وسقوط فرض عنه ، وأن يجتنب الأكل والشرب والجماع بعد طلوع الفجر الثاني ، وأن يتم الصيام إلى سقوط قرص الشمس ، وأن لا ينوي في تضاعيف النهار الخروج من الصوم . ذكر فضائل الصوم ووصف الصائمين صوم الخصوص حفظ الجوارح الست : غضّ البصر عن الاتساع في النظر ، وصون